الفلسفة والعلم والقرآن
لاشك أن هناك دروبا كثيرة من التفكير مغلقة وموصودة بالمغاليق ومن المسلم به أن العقل البشرى للانسان عامة وللعوام خاصة لا يفكر فى الملكوت الكونى الا قليلا ودائما سيره محصور فى اتجاهات محدودة وبالطبع كل ميسر لما خلق والانسان لا يفكر الا فيما يهمه أو يشغله فى حياته المادية الجرداء الجدباء الصماء.
وعملية تشغيل العقول ليست بالشىء الهين أقصد تشغيلها فى الاتجاه الصحيح وليس مجرد التفكير ولو بالخطأ ومن أعقد أنهار الفكر هو التفلسف ومن أصعب أنواع التعقل هو العلوم وكثيرا من الناس يعتبر أن الفلسفة درب قديم من الفكر وباب من أبواب التحزلق وأن العلم دربا آخر من كوكب آخر لا يلتقيان أبدا واذا تحدثنا عن القرآن لكان الحديث أكثر تعقيدا وفى نظر العوام الثلاثة لا يلتقون.
بالطبع هذا خطأ فادح وسوف أوضح ذلك فى السطور القادمة بما فاضت بهر وحى وخط به قلمى آملا فى ايضاح الحقيقة :
هناك أبواب محظورة على البشر الدخول فيها ومنهم من لا يعلم من وجودها أصلا رغم أن دخولها حق لكل عقل والتفكير فيها واجب والحياة بها ضرورية والبعد عنها ضلال !.
الباب الرئيسى من هذه الأبواب هو باب الوجود والخلق والخالق ومن ثم حقيقة الكون وما الايمان وما الالحاد ولما الايمان نعم ولما الالحاد كذب وضلال أتحدى انسان أن يجرؤ ويسأل " أين الله ؟ ".
فمثل هذه الأسئلة فى مجتمعنا ليس لها اجابة سوى الضرب والسب وربما السجن والقتل وأضعف الايمان الوصف بالجنون والبله , رغم أنه سؤال بديهى سأله أبونا أبو الأنبياء سيدنا ابراهيم -عليه السلام – وبالطبع قابلته أمه باللطم والضرب بعدما أوصلها بالأسئلة الى طريق مسدود لم تقدر هى على اجابته .
بالطبع الاجابة بسيطة وصريحة والموضوع سهل وواضح ولكن منا من لا يعرفها ومنا من يعرفها ولكن لا يعرف كيف يوضح للناس كيف عرفها ومنا من هو على شفا حفرة – أعاذنا الله - فالله موجود فى كل شىء والحمد لله كلنا مؤمنون ولكن أغلبنا ليس ايمان عن يقين أو تفكير أو تفلسف فالغالب هو اسلام الوراثة أو بمعنى آخر أن الجيل الجديد على ديانة من سبقة وفقط وهنا الكارثة الكبرى أننا نعلم أن الله موجود ولكن أغلبنا لا يعلم كيف عرفنا أنه موجود أغلبنا لا يعلم كيف خلق الله الكون .. ماهو الغيب عن ماذا تتكلم الفلسفة؟ ولماذا أنزل الله القرآن وما العلاقة بين الفلسفة والقرآن هى هناك تضاد؟ أو جفاء؟ ثم ماهو الموقف الحقيقى للعلم من هذا كله؟
عندما فكر العقل البشرى المتمرد لأول مرة سأل باستغراب من أوجد هذا الكون ؟
وكان هذا السؤال هو البذرة الأولى فى بستان الفلسفة الجميل المثمر بالحقائق القوية الساطعة وان ضل بعض من ضعاف العقول والحجج فى لججها الواسعة.
وتفكر الفلاسفة فى الوجود والكون والمادة وعرفوا أنه لابد من موجد وخالق لهذه الأشياء فليس للشىء أن يخلق نفسه بأبسط المبادىء المنطقية !.
وعندما كان الكون فى ملاحظاتهم وتفكيرهم أعجوبة لا تتكرر من الاحكام والنظام والترتيب والجمال كان لابد أن يكون الخالق سر هذا كله منزه عن كل نقص مالك غير مملوك وخالق غير مخلوق من يخلق هذا كله لابد أنه أكبر بكثير من هذا كله الذى نراه ولا نكاد نحصى ولو جزء صغير منه.
نحن كمسلمون نعرف أن الله هو كان قبل بدىء الأشياء والعقل البشرى بالطبع عاجز عن تصور اللامكان واللازمان وعاجز عن تصور كيفية وجود شىء من لا شىء وهو صعب تصور ذلك الاعجاز ولكنه ليس مستحيل عقلا .
وكثيرا من الفلاسفة عرف الله وآمن به بعد تخبط دام كثيرا فى غيابات الفكر وبحور البحث وأعاصير الذهن ولكن فى النهاية وصل الى الحقيقة الأبدية بأن الله واحد أحد خالق هذا الوجود.
لذا فالفلسفة هى البحث عن الحق هى تشغيل العقل من أجل الوصول الى الصواب والى معرفة الكون بأسرارة وأعاجيبه وبالفلسفة عرفنا أن الكون مخلوق محدث وجد عن خالق أعظم من كل الأشياء منزه عن الصغائر وعن الصفات البشرية والكونية وعالم البشر ماهو الا ذرة فى الملكوت ليس لها قيمة ولا حساب الى جانب باقى المخلوقات التى نعرفها والتى لم نعرفها بعد.
كم أن الله عظيم بقدرته كم أن العقل البشرى - وهو أحد ابداعاته العجيبة – صغيرا وعاجز عن تصور الخالق ولكنه قادر على ادراكه والعلم بوجوده ولا يعيب الفلسفة أن بعض من مرتاديها ضلوا الطريق وانتهوا الى القول بأنه لا اله !وأن الكون صدفة بالطبع هذا هراء وهرج مضحك وهزل لا يرضاه المنطق ولا يقبله العقل فقد استندوا من الأساس الى أدلة ضعيفة مثلهم وبمنطق أعرج وحجج كاذبة فليس من المعقول أنه اذا رأينا انسانا مريضا أن ندعى أن صنف البشر كله عليل بأى منطق أو عقل؟
الى هذا كان تفكير الفلاسفة وما أجمله من تفكير مثمر واستغلال حسن لنعمة العقل فى ايجاد ومعرفة خالقها ثم تأتى المعجزة الكبرى وهى كلام الخالق الأعظم رب الكون وخالقه جل شأنه وعلت قدرته وهى القرآن الكريم.
جاء القرآن بأسلوبه الواضح السهل الصريح ليتكلم عن منهجين أساسيين هما اثبات وجود الله والآخر مبادىء الشريعة الاسلامية السمحة والمتفحص لمعانى آيات القرآن سيجد أن القرآن ليس مجرد آيات نتلوها ونحفظها وفقط فهذا يستطيع أى انسان فعله ولكن القرآن جاء بالأدلة الساطعة التى تثبت وجود الله فى الذرة وفى المجرة تثبت حكمته وعظمته جاءت بالأدلة التى يفهمها الانسان الساذج ويعقلها ويوقرها العالم الفيلسوف فالله خاطب العقل البشرى فى القرآن على مختلف درجاته الفكرية من الانسان البدائى الى الانسان الحضارى فيالها من عظمة فى البلاغة والكلام فضلا عن عظمة المحتوى والنظام فبالنظر الى الجبال والسماء والأرض والبحار والهواء نفهم بأنفسنا تلك القاعدة اليقينية التى أشار اليها القرآن ونبهنا اليها وهى أن الكون يسير على نظام ثابت بحكمته وعظمته يالها من عظمة ! حين يجمع القرآن بين عمق الفلسفة وبساطة الحوار فى تعبير سهل على من يسمعه ويريد فهمه وينبثق منها أدلة عقلية فلسفية لمن يرد التبحر فيها .
جاء القرآن ليثبت كلام الفلاسفة المؤمنين ويضم بين ثناياه أفكار الفلاسفة العظام فى الوصول الى الله ويضم أيضا أفكارا سهلة ممتنع للبسطاء كى يفهومها للوصول الى الله بل ويدعو الانسان الى التفكر ويثنى على العقلاء وأولى الألباب فهم يعرفون ويشهدون ويعلمون علم اليقين أنه لا اله اللا هو مالك الملك والملكوت.
ولهذا فانه لا تعارض بين الفلسفة والقرآن بالفسلفة هى الطريق الصعب الذى لا يجيد السير فيه سوى المحترفين فى هذه الطرق والقرآن هو كلام الله الذى يوجهه الى عباده فيفهمه جميع البشر من البدوى الساذج الى العالم والراهب فقد نزل القرآن ليبين للناس الحق والوجود والشريعة التى ارتضاها الله للناس ويتحدث اليهم بالأدلة المادية والأدلة الروحية أو العقلية وعندما تقدم الزمن بالناس وجاءت الثورات العلمية والتكنولوجية ليتحدث العلم والعلماء نجد أن كل شىء يدل على الله.
فمن العلم العقلى الى العلم المادى فى التجارب والأبحاث والكيمياء والفيزياء والأحياء وغيرها من العلوم المادية تتضح منها الرؤية جالية بأن هذا الكون لم يكن قط سدى أو عشوائى أو غوغائى بل هو موسوعة فى النظام والاتزان شاملة كل شىء وكل شىء يسير بقدر معلوم خلقه الله واكتشفناه نحن بعد القرآن بألف وربعمائة عام لنفهم مقصد الآية الكريمة " وكل شىء خلقناه بقدر " .
فالجغرافيا والتضاريس والظواهر الطبيعية تجعلنا نحن بنى الانسان عاجزين عن التحكم فيها لا نملك سوى متابعتها وملاحظتها ويكتشف العلماء من الحقائق العلمية ما يفسر لنا بعض الآيات التى عجزنا عن تفسيرها فى الماضى لقلة علمنا ونشق الفضاء بسفننا لنعلم الكواكب والشموس والمجرات وكل يوم يكبر كتاب العلم ويتمدد باستمرار ومع ذلك يذكرنا القرآن " وما أوتيتم من العلم الا قليلا ".
لهذا فأن العلم هو اثبات صريح ومرئى على وجود الله ووحدانيته وأن كل الكون مخلوق وما البشر الا مخلوقات تتحكم فى مخلوقات مثلها بأمر الله ولا تخلقها فالعلم حتى الآن لم يعرف حقيقة ذبابة ! وهيهات أن يعرف مجرد معرفة حقيقتها أصلها نعم نتسطيع متابعتها ودراسة دورة حياتها وعلاقتها بغيرها ولكن من المستحيل معرفة كنهها أو حتى تفكيرها .
ومازالت مناهجنا التعليمية للأسف تخلو من الفلسفة وهى حركة العقل فالأنسان بلا عقل هو أشلاء انسان وببساطة فأن الفلسفة هى البحث عن الله وقد بدأ هذا العمل الانسانى قبل نزول القرآن ولكن النظرة السليمة والعقول الصافية تنجذب وتتجمع دائما حول الحق.
بالتالى فأنه من العيب والضرر أن يعرض الناشئة عن الفلسفة وعن مباحثها فهى وبكل صدق تأسيس وتدعيم للأيمان بالله الذى هو أساس الحياة فهذه المذهلات الثلاث ( الفلسفة والعلم والقرآن ) لهى أساس الحياة السليمة فالفرق بين الانسان والبهائم هو العقل فلا يستطيع أحد فهم أحد هذه الأركان الثلاثة للحياة السليمة الفهم الكامل دون الاطلاع على الركنين الآخرين فهم يدورون فى فلك واحد لأثبات حقيقة واحدة فالحياة دون فكر وعقل وايمان كسير الأعمى فى الصحراء عرضة للأخطار باستمرار .
فأساس الأيمان كما ذكرنا هو التعرف على الله واثبات وحدانيته والاقتناع به فيصير الانسان على أساس متين لا تهزه مصائب ولا تعكر صفو ايمانه أى شوائب فأساسه سليم وايمانه قويم يعلم أن الحياة جسر زائل يسير خلاله الى الخلاق العظيم.
وكما ذكر اينشتين فى احدى مذكراته "إن العلم بلا إيمان ليمشي مشية الأعرج، وإن الإيمان بلا علم ليتلمس تلمس الأعمى"
فلا مفر من ضرورة التقاء الاثنين ومعهم الفلسفة لتدعيم هذه الخلطة السحرية فى النفوس البشرية للثبات على الحق .
بقلم
صديقى
أحمد السيد رزق
11:50 p:m
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق